محمد متولي الشعراوي
1901
تفسير الشعراوى
أحد : إنهم عرفوا غيبا ؟ لا ؛ لأن لمثل هذا الغيب مقدمات ، وهم بحثوا في أسرار اللّه ، ووفقهم سبحانه أن يأخذوا بأسبابه ما داموا قد بذلوا جهدا ، واللّه يعطى الناس - مؤمنهم وكافرهم - أسبابه . وما داموا يأخذون بها فهو يعطيهم المكافأة على ذلك . وللّه المثل الأعلى ، وسبحانه منزه عن كل تشبيه ، أقول لكم هذا المثل للتقريب : المدرس الذي يعطى تمرين هندسة للتلميذ ليقوم بحله ، فهل مجىء الحل غيب ؟ لا ؛ لأن التلميذ يعرف كيف يحل التمرين الهندسى ؛ لأن فيه المعطيات التي يتدبر فيها بأسلوب معين فتعطى النتيجة . وما دام التلميذ يخرج بنتيجة لتمرين ما بعد معطيات أخذها ، فذلك ليس غيبا . ولذلك فعلينا أن نفطن إلى أن الغيب هو ما غاب عن الكل ، وهذا ما استأثر اللّه بعلمه وهو الغيب المطلق ، وهو سبحانه وتعالى يطلع عليه بعضا من خلقه من الرسل ، وهو سبحانه القائل : عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً ( 26 ) إِلَّا مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ ( سورة الجن ) وأما الأمر المخفى في الكون ، وكان غيبا على بعض من الخلق ثم يصبح مشهدا لخلق آخرين فلا يقال إنه غيب ، وعرفنا ذلك أثناء تناولنا بالخواطر لآية الكرسي : اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِما شاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَلا يَؤُدُهُ حِفْظُهُما وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ ( 255 ) ( سورة البقرة )